|

رحلتنا مع الجلد
كل ما
في الجلد شاهدٌ بعظمة الخالق سبحانه، ففيه تتم عمليات استخلاص
الميلانين لتلوين البشرة والشعر وتصنيع فيتامين د بتأثير
التعرض للأشعة فوق البنفسجية مع طلوع الشمس وغروبها فتقوي
العظام والأسنان.
والجلد هو الرسول الأمين والحارس اليقظ الذي يحمي الجلد من
الأخطار الخارجية فينقل استقبالاته إلى الجهاز العصبي وينفذ
أوامره في التو والحين ويقي الجسم من الحر ويحفظ درجة حرارة
الجسم ثابتة، ويوجد من الخلايا الضامة تحت الجلد ما يقي الجسم
من الصدمات والرضوض . والجلد هو الشاهد الذي لا ينطق زوراً ولا
يبدل قوله فلكل منا بصماته الفريدة دليلاً عليه.
بنية الجلد :
يتكون من
طبقتين داخلية (الأدمة) وخارجية (البشرة).
بشرة الجلد: تمثل الدرع لأول
الذي يمنع وصول البكتريا وما أكثرها من حولنا فخلايا البشرة
تتراكب في طبقات متعددة بحيث تتماسك فيما بينها، وإذا حدث أي
خدش في بشرة الجلد ، وجدت البكتريا طريقاً سهلاً إلى الأدمة
ثمّ إلى الأوعية الدموية ثمّ الدم وأعضاء الجسم.
وتتجدد خلايا البشرة بمعدل مليون خلية كلّ أربعين دقيقة
بحيث تهاجر الخلايا من أسفل إلى أعلى البشرة ، ويقل معدل هذا
التجديد مع التقدم في العمر ليصل إلى 50 % نقصان فيما بين
(30-70) سنة ، لهذا يتجعد الجلد ويترهل مع تقدم العمر .
وتستضيف خلايا البشرة أنواعاً عديدة من البكتريا المفيدة
التي تفرز أحماضاً دهنية تمنع تكاثر البكتريا الضارة .
وتتعايش بعض الجراثيم غير الضارة على البشرة بأعدادٍ كبيرة
فتمنع بذلك غزو البكتريا الضارة، فما أروع التكامل الوظيفي
الذي تشهده خلايا البشرة ولا ندركه .
ونظراً لحيوية البشرة فإن المتبع طبياً في الحالات التي
تتطلب ملازمة الفراش لمدة طويلة أن يقلب المريض على كلا
الجانبين بصفة مستمرة وبانتظام زمني محدد ولمنع حدوث التقرحات
السريرية التي قد تؤدي إلى الإنتانات والوفاة إذا لم يتم
تفاديها وعلاجها . ومن رحمة الله لأهل الكهف أن يقلبهم ذات
اليمين وذات الشمال حتى لا تأكل الأرض جلودهم .
الجلد يقوي العظام:
عند
التعرض لأشعة الشمس يتكون فيتامين د تحت الجلد بفعل تأثير
الأشعة فوق البنفسجية ثم يتم استقلاب هذا الفيتامين بالكبد
والكلى ليتحول إلى صورته الفعالة ليساعد على امتصاص الكالسيوم
من الأمعاء، ولهذا الفيتامين أدوار بيولوجية أخرى منها تنظيم
إفرازات الأنسولين من البنكرياس ونمو خلايا النخاع العظمي
وخلايا البشرة في الجلد حتى أنه يستخدم الآن بنجاح في علاج بعض
أمراض سرطان الدم .
ولأن الأشعة فوق البنفسجية يصل أقصى معدل لها فيما بين
الحادية عشرة صباحاً والساعة الثانية بعد الظهر فإن أفضل
الأوقات للاستفادة من تأثيرها بدون ضرر وبصورة نافعة هو وقت
البزوغ ووقت الغروب ، حتى إذا كان التعرض غير مباشر ، ولعل هذه
الظاهرية البيولوجية هي التي تفسر السبب في أن الشمس كانت تميل
عند البزوغ وتحيد بدعة ورفق عند الغروب عن أهل الكهف فيستمدون
كفايتهم من الأشعة فوق البنفسجية لتقوي عظامهم وتطهر جلودهم
وزيادة للمنفعة ودرءاً للضرر كان التعرض غير مباشر في هذه
الأوقات من طلوع الشمس وغروبها وفيما بين هذه الأوقات بفضل
المعجزة الكونية في أنهم مع كونهم في مكان منفتح انفتاحاً
واسعاً فهم في ظلل دائم لا تصيبهم الشمس مباشرةً .
{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن
كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ
ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ
آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن
يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} (17) سورة
الكهف
الجلد مكيف ذاتي :
يستطيع
الجسم المحافظة على درجة حرارة ثابتة
ْ37 مالم يتعرض لحرارة
تزيد عن 40 مع الرطوبة المطلقة أو
ْ60مع الجفاف التام بفضل
ظاهرة التعرق حيث يوجد 3-4 مليون غدة عرقية في الجلد تتركز في
مواضع مختلفة ، يوجد قرابة 480 غدة عرقية\سم2 بباطن اليدين
وإفراز الغدد العرقية يتوافق مع درجة الحرارة الخارجية ويصل
العرق إلى مسام الجلد عبر قنوات تخرج من الغدد العرقية وتبلغ
أطوال هذه القنوات مجتمعة خمسة كيلو مترات وفي الأجواء الباردة
يصل معدل إفراز العرق إلى 200-300 سم3 يومياً،ويتضاعف هذا
المعدل في الأجواء الحارّة ليصل إلى 1000سم3 يومياً وعند
ارتفاع درجة الحرارة مع المجهود الخاص يتضاعف معدل التعرق ليصل
إلى 1500 سم3 بالساعة أو أكثر، وتبلغ المساحة المربعة للجلد
بالإنسان البالغ 1,8 م2 .
ويلعب الماء دوراً حيوياً في ثبات درجة حرارة الجسم لأن
حرارته النوعية عالية تجعل الماء يمتص أكبر قدر ممكن من
الحرارة دون تغيير يذكر في درجة حرارة الجسم .
وعندما تفشل الغدد العرقية ترتفع درجة حرارة الجسم بشكل
خطير( ْ40-
ْ41) يجف الجلد ويعتري المريض الهذيان ثمّ يفقد وعيه
ويموت بالسكتة القلبية نتيجة ارتفاع منسوب البوتاسيوم وانخفاض
منسوب الكالسيوم في الدم . ويحدث هذا الفشل نتيجة ضربات
الحرارة وخاصّة عندما تصيب كبار السن عند تعرضهم لأشعة الشمس
الشديدة لفترة طويلة أو بذل مجهود عضلي شاقّ في جو رطوبةٍ
عالية .
ومما سبق يتبين لنا الدور الحيوي الذي تلعبه الغدد العرقية
ولكي تقوم هذه الغدد بوظيفتها على أكمل وجه لا بد أن تتوفر لها
شبكة هائلة من الأوعية الدموية لكي تتسع مع ارتفاع درجة
الحرارة ويزداد ورود الدم إلى الجلد ليفقد حرارته فمثلاً يرتفع
تروي الجلد أثناء المجهود الشاق فيصل إلى 3,5 لتر في الدقيقة
أي 8 أضعاف معدل التروية (450سم3 دم\دقيقة أثناء الراحة).
وعند
التعرض للبرد فإن الهيبوثلاسوس يبعث أوامره إلى الأوعية
الدموية بالجلد لتنقبض ويقل بذلك انتقال حرارة الجسم كما تصدر
الأوامر للعضلات بالارتجاف لزيادة إنتاج الحرارة بما لا يقلّ
50 % وبذا يحدث الدفء عند البرد ويساعد على ذلك انتصاب عضلة
الشعر وتجدر الإشارة إلى ذكر النعم الأخرى التي خلقها الله
للإنسان لتقيه وطأة الحرّ وبالتحديد السرابيل والظلال .
{وَاللّهُ
جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ
الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ
الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} (81) سورة
النحل
وتدوم نعمة الظلّ في الجنة فيتنعم بها عباد الله المؤمنون...
{وَالَّذِينَ
آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ
ظَلِيلاً} (57) سورة النساء
{مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ
وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى
الْكَافِرِينَ النَّارُ} (35) سورة الرعد
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ
فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} (41) سورة المرسلات
عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
((إنّ
في الجنّة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عامٍ لا يقطعها))
أخرجه البخاري .
وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول أنّ رجلاً قال :
يا
رسول الله هل في الجنّة ليل ؟ قال
صلى الله
عليه وسلم:
وما
يهيجك على هذا ؟
قال: سمعت الله يذكر في الكتاب (ولهم رزقهم
فيها بكرةً وعشيّاً )
فقلت الليل من البكرة والعشيّ.
فقال رسول
الله صلى
الله عليه وسلم:
(ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونهار يرد الغدو على
الرواح والرواح على الغدو ، وتأتيهم ظرف الهدايا من الله
لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلّونها في الدنيا وتسلم عليهم
الملائكة ).
أي إن الأمر نسبي فعن ابن عباس رضي الله عنهما
:
(ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء)
أما أصحاب النار فسوف تكون ظللهم من نار والعياذ بالله :
(( لهم من فوقهم ظللٌ من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به
عباده يا عباد فاتقون)).
اللهم أظلنا بظلك يوم لا ظلّ إلا ظلّك
وقنا يوماً كان شرّه مستطيراً فعن رسول الله
صلى الله
عليه وسلم أن قال
في وصف يوم القيامة :
(( تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى
تكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق
فمنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً وأشار
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فيه )).
لون الجلد آية من آيات الله :
تنشأ في أدمة الجلد خلايا تلوين خاصّة عنكوبتية الشكل تمتد على
جوانب زوائد دقيقة ولا اختلاف في عدد هذه الخلايا بين إنسان
أبيض أو داكن إنما الاختلاف في كثافة مادة الميلانين داخل
خلايا التلوين فهي أكثر تركيزاً في الأشخاص داكني اللون مع
العلم أن كمية الميلانين في الشخص الداكن اللون لا تزيد عن
الغرام الواحد في أقصى الحالات وتتناقص هذه الخلايا بمعدل
10-20 % كلّ عشر سنوات مما يصاحب التغيرات التي تصاحب كبار
السن بالجلد والشعر حيث يبدأ الجلد بالتزايد ويبهت لون الجلد .
ويتم تحديد لون الجلد تبعاً لتصميم خاص تحدده جينات الجسم
التي تتحكم في كمية الميلانين ونوعه بما يتناسب مع الظروف التي
ينشأ بها الإنسان مما يكفل له التعامل المأمون مع البيئة
المحيطة فنجد أنّ سكان المناطق الاستوائية التي تقترب فيها
الشمس من الأرض يكتسب لون جلدهم السواد ويكتسب أهل الشمال من
الكرة الأرضيّة بياض الجلد لبعدهم عن الشمس فما الحكمة من وراء
ذلك .. ؟
لقد وجد العلماء أنّ الميلانين له خاصّة بيولوجيّة هام’ذ
وهي أنه يمتص الأشعة فوق البنفسجية التي تضر الجسم والتي تكثر
عند المناطق الاستوائية وامتصاص هذه الأشعة يحمي الجلد من
التجعد والانكماش والترهل وامتصاص هذه الأشعة يقلل من خطورة
الإصابة بسرطان الجلد فالجلد الداكن يدوم أكثر شباباً وتندر به
الإصابة بالسرطان بينما يزول جمال اللون الأبيض مبكراً وتزداد
خطورة إصابته بالسرطان.
ولكي تتمكن خلية التلوين من أداء وظائفها البيولوجية فإنها
تهاجر من الأدمة بعد أن تتكون مادة الميلانين لتستقر في الطبقة
التي تفصل بين البشرة ويساعدها شكلها العنكبوتي ذو الزوائد
الجانبية.
وبعد..أليس ما تقوم به هذه الخلايا من إنجاز ينطق بالعظمة
والإعجاز..
سبحان الله وتعالى شأنه وتقدست أسماؤه
..
{وَمِنْ
آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ
أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ
لِّلْعَالِمِينَ} (22) سورة الروم
{وَمِنَ
النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ
كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (28) سورة فاطر
وصدق رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إذ قال
في خطبة الوداع:
((لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى الناس من
آدم وآدم من تراب )) .
وروى مسلم عن ابن ماجه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال :
(( إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم و ألوانكم ولكن إنما
ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ))
وعجباً يتخذ البشر الألوان سبباً للتفاضل والخيلاء بينهم
وينسون أن هذا التباين بيولوجي وضروري للتكيف مع اختلاف
الأجواء بين القطبين وخطّ الاستواء وصدق الله العظيم إذ يقول
في محكم آياته :
{يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ} (13) سورة الحجرات
ومادة الميلانين تصنعها خلايا الجلد من مادة التيروزين وهي
نفس المادة التي تصنع منها خلايا المخ مادة نور أدرينالين
الخاصة بنقل السيالة العصبية وكذلك تصنع من خلايا الغدة
الكظرية هرمون الطوارئ الأدرينالين الخاصة بنقل السيالة
العصبية وكذلك تصنع معها الغدة الدرقية هرمون التيروكسين..
سبحان الله..مادة واحدة وتتعامل مع خلايا الجسم المختلفة لتنتج
مواد حيوية مختلفة ..
سعدنا برفقتكم ومتابعتكم ..
إلا أن رحلتنا نع الجلد لم تنته بعد.. تابعونا..
بقلم :منار
|