


ولد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث ولادات :
1 – الولادة الأولى :
ولادة البشر ( محمد البشر )
وهذه ولادة كانت فيها
عناية
الله سبحانه وتعالى ...
وعنايته لنبيه كانت متجلية في الجمع بين الذبيح
عبد
الله وسيدة بنات مكة آمنة بنت وهب ...
كما تجلت في عنايته سبحانه لنبيه عندما حرمه من
أبيه
وأمه في الفترة التي هو أحوج إليهما ليتولى الله
سبحانه
وتعالى رعايته فلا يكون لبشر عليه تأثير ...
وليكون بعد ذلك عمه وليُّ أمره ، فصار النبي يعين عمه
بدلاً
من أن يعيله عمه ...
وهنا يقف المسلم أمام ليسأل نفسه :
ما حظي من هذه الولادة ؟؟؟
( ووجدك يتيماً فآوى ) ...
فالمسلم يشعر بعناية الله به كما اعتنى سبحانه بنبيه ...
فلقد خلقنا الله من ضعف وأمّن لنا سبحانه كل ما نحتاج
إليه
في فترة الضعف كما اعتنى بنبيه تماماً سبحانه
وتعالى
وهذا يزيد المؤمن ثقة بربه ورعايته له فيشعر
بمعيته
فيزيده ذلك حباً لهذا الإله العظيم الذي أعطاه
قبل
أن يسأله وأنعم عليه قبل أن يشكره سبحانه
وتعالى
...
ولادة النبي الأولى صلى الله
عليه وسلم تُدخل الطمأنينة
إلى
قلب المؤمن بأن الله هو الذي يعتني به ويرعاه وإن
حرمه
من أقرب الناس إليه وهو أرحم به من أمه
وأبيه
...
2
- أما الولادة الثانية :
فهي ولادة النبوة وكانت هذه
في غار حراء ولكن الله
سبحانه
وتعالى صنع محمداً صلى الله عليه وسلم من
القيم
والأخلاق فجعله قبل النبوة رمزاً ومثالاً للخلق
العظيم
حتى صار بين الناس معروفاً بالصادق
الأمين ...
فسعت إليه الدنيا ولم يسع إليها ...
خطبته سيدة مكة الأميرة الغنية الجميلة لأنه كان :
{ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ
خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ }
النمل88
والمؤمن يقف مع نفسه ليسأل :
أليس الأحرى بي والأجدرُ أن آخذ من النبي الكريم
...صلى الله عليه وسلم
هذه الصفة التي جعلته سيداً بعناية الله ورعايته الذي
جعله
مرضياً عند الخلق ...
ألم يقل أهل مكة وقد اختلفوا في وضع الحجر الأسود
في
مكانه :
( رضينا بالصادق الأمين حكماً ) .
لقد آوى محمد صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء خلوة
بربه
سبحانه وتعالى وتبتلاً ...
فآواه الله سبحانه وتعالى إلى كنفه وأنزل عليه جبريل
ليطمئنه
فإنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس
كافة
...
ألا نحٍنُّ اليوم إلى هذه الخلوة ؟؟؟
التي يجب أن تكون عندنا أهم من كل شيء في حياتنا
حتى
إذا وقفنا بين يدي الله في الصلاة ...
فيكون حضورنا في مناجاته :
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }
الفاتحة5
وجاء الوحي في هذه الولادة الثانية يكلف محمداً صلى
الله
عليه وسلم بحمل الأمانة ليكون بشيراً ونذيراً
للخلق
أجمعين ...
هذه الولادة الحقيقية هي التي تجعل الإنسان فيها إنساناً
مكرماً
...
إن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أكرمه ربه بالوحي
وأمره
أن يحيي به الناس من استجاب له منهم :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ
وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ
وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }الأنفال24
فالذي يقبل هدي الله ويسير على سنة محمد صلى الله
عليه
وسلم في سلوكه وأعماله وأحواله تكون الحياة
دبت
فيه ...
الحياة الحقيقية التي تؤهله أن يكون في هذه الدنيا قدوة
ليصبح
في الآخرة جار الله سبحانه وتعالى في جنة
عرضها
السموات والأرض ...
ولأستعرض بعض أولئك الذين استجابوا للنبي صلى الله
عليه
وسلم فدبت فيهم الحياة فصاروا رموز الخير في
الدنيا
فصاروا مع الذين أنعم الذين أنعم الله عليهم :
{ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء
وَالصَّالِحِينَ
وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً }النساء69
يقول سيدنا المسيح عليه السلام في هذا المعنى
( الولادة الثانية للإنسان )
( لا يدخل ملكوت السموات من لم يولد مرتين )
فأبو بكر وصحابة رسول الله الذين آمنوا وصدقوا ولدوا
ونما
فيهم الإيمان حتى صاروا كما قال النبي الكريم :
( كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء )
هذه الولادة الثانية لا
تتحقق للمسلم إلا بأن يتعلق قلبه
بحب
الله ورسوله والصالحين من العباد ...
( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل )
ولقد أثمرت هذه الولادة دعوة انتشرت من مشرق
الأرض
إلى مغربها فعم نور الإسلام وحب النبي الكريم
والشوق
إلى رضوان الله ...
عمّ الأرض كلها ...
فأين نحن اليوم من هذه الولادة ؟؟؟
أول علامات الحياة النماء ثم الثمر ...
ماذا لو لم يكن في الغصن نماء ؟؟؟
فهذا يعني أنه مقطوع عن الأصل الذي يظهر ارتباطه
فيه
...
فرباط الظاهر لا يغني إذا انقطعت صلة الباطن
بالباطن ...
والثمرة لا تكون إلا من غصن مازال رطباً بحياة
تتصل بالجذور ...
إن النبي صلى الله عليه وسلم وصف هؤلاء الأحياء من
أمته
بأنهم كالأنبياء في تأثيرهم وفي تبليغهم هدي الله
سبحانه
وتعالى ...
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وقد مرّ
قرب جبل :
( هذا جُمدان جبل يحبنا ونحبه )
وددت لو رأيت أخواني ...
قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله ...
قال أنتم أصحابي ...
إخواني
الذين لم يأتوا بعد يود أحدهم لو رآني بنفسه
وماله
...
فلينظر المسلم إلى المقام الذي رفعه الله إليه رسول الله
صلى
الله عليه وسلم في هذا الزمان ورشحه لأن يكون
فيه
...
فهل نحن أهلاً لأن نكون إخوان النبي
صلى الله عليه وسلم ؟؟؟
وهل نحن مستجيبون لهذا التشريف النبوي بأن نكون
من
إخوانه صلى الله عليه وسلم ؟؟؟
3
- أما الولادة الثالثة :
فهي ولادة الدعوة ونشر الخير
وهذه مهمة كلف بها
النبي
صلى الله عليه وسلم أصحابه والتابعين له
والمؤمنين
به ...
إلى يوم القيامة ...
كلفهم أن يُبلغوا ما بلغهم ...
قال صلى الله عليه وسلم :
( نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها )
هذا التبليغ لايكون باللسان وإنما يكون كما قال النبي
صلى
الله عليه وسلم بحسن الخلق والسيرة الطيبة
والسلوك
القويم ...
قال صلى الله عليه وسلم :
( إنكم لن تسَعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسطة
الوجه وحسن الخلق )
لقد وصف الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
بأنهم
:
( رحماءُ بينهم )
ووصفهم أيضاً بأنهم :
{ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
الْكَافِرِينَ }المائدة54
فليرجع كل واحد منا إلى نفسه وليسأل :
هل أنا مع أخي المؤمن على هذه الصورة وإلا فإن
الادعاء
مردود على من يدعيه ...
(المسلم للمسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كاليدين
تغسل إحداهما الأخرى )
فهل نحن على هذا الوصف النبوي الكريم ؟؟؟
الولادة الثالثة لا تكون إلا بالولادة الثانية ...
ففاقد الشيء لايعطيه ...
فمن لم يحيي قلبه بالإيمان وتتزكى نفسه بالأخلاق
الحسنة
لا يمكن أن يكون عوناً للآخرين ممن هم في
حاجته
إلى حياة حقيقية يدخلون بها عالم الطهر
والقدس
والسعادة في الدنيا والآخرة ...
ونحن في ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ينبغي
أن نعود إلى أنفسنا فنبحث عن نواقصنا في مرآة
الإسلام
لأن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا بأن آخر أماني
الأنبياء
أن يكونوا مسلمين ...
هذا سيدنا إبراهيم وإسماعيل :
{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن
ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا
مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ }البقرة128
وهذا سيدنا يوسف الصديق يقول :
{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن
تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي
مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصَّالِحِينَ }يوسف101
فالمسلم من ولد هذه الولادات الثلاث ...
اللهم أحيي قلوبنا بالإيمان ...
وزك نفوسنا بالإحسان ...
وأدخلنا الجنة بسلام برحمتك يا حنّان يا منّان ...
والحمد لله رب العالمين .
بقلم :
أ . أمين