


إن
الله سبحانه وتعالى أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم رحمةً
للعالمين ووضع له منهجاً يحقق منه هذه المهمة ...
ألا
وهو القرآن الكريم ..
قال تعالى :
{الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ
مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (1) سورة إبراهيم
فالناس مدعوون إلى طريق الحق الذي رسمه العزيز الحكيم
ليكونوا أهل عزة وكرامة كما أراد الله عز وجل من خلق آدم
وبنيه ...
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلاً} (70) سورة الإسراء
فكان
الجهلة من الناس يبذلون كلَّ جهدٍ ليصدوا محمداً صلى الله
عليه وسلم عن تأدية هذه المهمة ...
ولقد صبر النبي الكريم ثلاث عشرة سنة ً مع أصحابه المؤمنين
على كل أذى وإهانة في سبيل أن يستيقظ ضمير الإنسان على فضل
هذا النبي الكريم وحاجة الإنسانية إليه فأبت عصابات الكفر
إلا أن يطفئ نور الله ...
{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ
وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ
كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (32) سورة التوبة
فأمر النبي الكريم أصحابه وقد فتح الله لهم نافذة إلى عالم
فسيح كانت بدايته ( مدينة النور) ...
أمرهم أن يهاجروا ليجدوا فيها الأمن على دينهم والطمأنينة
وليتعلموا كتاب ربهم في هدوء وروّية وكانت هذه الهجرة
الثانية بعد هجرة الحبشة , كل ذلك فراراً بدينهم ليكونوا
حملة له يبلغونه للدنيا لتخرج من ظلمات جهلها إلى أنوار
معرفة الله ورحاب رحمته ...
أيها الأحبة ...
تتجلى أنوار الهجرة وعظيم إشرقاتها في أول الأعمال التي
باشرها النبي الكريم في المدينة ...
لقد فتح معاهد العلم لتحتضن طلاب الحقيقة ...
حقيقة معرفة الله من كتاب الله ...
لقد قام النبي الكريم ببناء المساجد ...
أيها الأحبة :
المسجد
هو المعهد والنادي وهو رياض الجنة ...
لأن فيه ذكر الله ينعش القلوب ويزكي النفوس ويطهرُ العقول
من دنس الشرك وغفلة الإنسان أمام مهمته التي خلقه الله من
أجلها ...
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات
كان المسجد المدرسة الأولى التي يؤدي فيها رسول الله صلى
الله عليه وسلم مهمته لتي بينها سيدا ابراهيم الخليل يوم
دعا ...
{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ
الحَكِيمُ} (129) سورة البقرة
كان المسجد أيها الأحبة مهوى الأفئدة لأن فيه رسول الله
يلجأ إليه المؤمنون من صحراء الحياة وغابات الشقاء
الإنساني ليجدوا في رحابه السكينة وطمأنينة القلب فتزكو
نفوسهم , وتتخلص من موروثات الجاهلية التي جعلت الإنسان
المكرم يعبد حجراً أصم ويقدم له القرابين ...
هذا الهدوء وهذه السكينة لم تتوفر لأصحاب النبي إلا
بالهجرة ...
وبذلك أقبلوا على دراسة كتاب الله ليكونوا كما قال عنهم
النبي صلى الله عليه وسلم ..
(كادوا من فقههم أ يكونوا أنبياء )
الأمر الآخر الذي رسخته لنا
عظمة الهجرة وتأثيرها الكبير في حياة الإسلام والمسلمين
هو
بناء المجتمع المتآخي الذي انتفت من عصبيات الجاهلية
والقبلية ،
ليكون الرابط بين القلوب ...
عنصر الإيمان والمحبة والتواصل في الله ...
والخدمة الخالصة من أجل رضوان الله ...
{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ
مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا }
(9)
سورة الإنسان
لقد
آخى النبي الكريم بين المهاجرين والأنصار فصار الواحد منهم
يرث الآخر بأخوة الإسلام ...
ولقد مرّ مصعب بن عمير رضي الله عنه على أخيه أسير يوم بدر
فقال للإنصاري الآسر شد عليه يدك فإن أمه غنية ...
فقال له أخوه يا مصعب أتوصيه عليَّ بدلاً من أن توصيه بي
؟؟؟
ألست أخاك ؟؟؟!!!
فقال مصعب لا ...
إنه أخي دونك فلقد آخى الإسلام بيننا أما أنت بعيد عني ...
أيها الأحبة ...
إن الهجرة تتجلى في هذين
الأمرين العظيمين ...
1-ارتباط المسلم بالمسجد أي بدار العلم والعمل الإيماني
الذي يجعل الإنسان المسلم مستقيماً في حياته العملية ...
بذكر الله في المسجد طاقة تدفع المؤمن لأن يتحرك في الحياة
تجت رقابة الله فيكون عمله متقناً لوجه الله وإن كان في
ظاهر الأمر يكسب من ورائه عيشه ...
2-
والأمر الآخر الذي رسخته الهجرة في القلوب
عنصر التآخي ..
أي
حرص المؤمن على مصلحة أخيه ...
(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه
مايحب لنفسه )
وبذلك يصبح المجتمع كما قال القرآن الكريم ..
{
كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} (4) سورة الصف
فلا تدخل فيه الأحقاد والضغائن لتمزق المجتمع ...
وتجعل الإنسان وحشاً همه أن يفترس الآخرين وأن يزيد في
بؤسهم وشقائهم تحقيقاً لمصلحة سافلة دنيئة وإنما همه
الحقيقي أن يكسب رضوان الله في خدمة أخيه في المجتمع ...
وأبناء المجتمع إخوة بنص رسول
الله:
(
الإنسان أخ الإنسان أحب أم كره )
وبذلك يكون المؤمن عنصر ارتباط يشد بنيان الأسرة والمجتمع
والأمة
...
فلا يستطيع عدوُ اجتياح أمة ...هؤلاء أبناؤها ...
أيها الأحبة ...
الهجرة فريضة على كل مؤمن ؟؟؟
كيف يكون ذلك ؟؟؟
يقول النبي الكريم :
( العبادة في الهرج كهجرة إلي َّ)
ويقول
عليه الصلاة والسلام :
( المهاجر من هجرَ مانهى الله عنه
).
{قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ
فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}
(58) سورة يونس
وكيف تتحقق هذه الهجرة
بشكل عملي ...
إنه كتاب الله ...
الذي
جعله الله هداية ورحمة لمن اعتصم به علماً وعملاً وتعليماً
...
فلنهاجر إلى كتاب الله ...
لأن
الأمة اليوم هجرت كتاب الله فهجرتها عزتها وكرامتها ونزلت
بها نوازل الدهر ...
قال الله تعالى :
{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ
مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}
(21) سورة السجدة
والعودة إلى كتاب الله ...
بل
الهجرة إلى كتابه تكون كما قال أصحاب رسول الله للتابعين :
(
نحن أوتينا الإيمان قبل القرآن لقد قرأنا القرآن عشر آيات
عشر آيات )
فلا نقرأ عشراً حتى نعمل بالعشر ...
أيها الأحبة :
كتاب الله ينادينا ...
ليصعد
بنا إلى معارج الحياة الطيبة والسعادة الأبدية
.
قال الله تعالى :
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (9) سورة
الإسراء
وصدق الله العظيم القائل :
{الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ
مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (1) سورة إبراهيم
وإلى لقاء في مولد النور بإذن الله ....
بقلم :
أ . أمين