|
جولــةسريعة في رحاب ما أنتجـــه
العصر
الأموي
وقبل أن تحط بنا الرّحال في عصرٍ جديد يحمل
الخير والبشائر للأمة الإسلاميّة يجدر بنا أن نجول جولةً سريعة
في رحاب ما أنتجه العصر الأموي من
إبداعٍ فكريّ...
ازدهرت الحركة الفكرية في العصر الأموي
وشملت مجالات العلوم الدينية واللغوية، والتاريخ
والجغرافية،والعلوم التطبيقية كالفلك والرياضيات والعلوم
الطبيعية والفلسفة.
1.العلوم الدينية:
هي أول ما عرفه العرب من العلوم ، وقد
انتشرت في مختلف الولايات عن طريق الصحابة رضوان الله عليهم
الذين تفرقوا في هذه الولايات وتأسست المدارس الدينية التي كان
أساسها القرآن والحديث والفقه، فكانت بداية التأليف العلمي عند
العرب.
وكانت مراكز هذه الحركة :
المدينة
والفسطاط و البصرة والكوفة ودمشق.
ومن أشهر علمائها:
عبد الله بن عمرو بن العاص في الفسطاط
المتوفى سنة (65هـ \ 685 مـ ). ويزيد بن أبي حبيب المتوفى سنة
(128هـ \ 746 مـ ) في الفسطاط أيضاً .
وكان في مقدمة العلوم
الدينية : علم القراءات
الذي يعدّ أساس علم التفسير، ويتناول هذا العلم أساليب قراءة
القرآن نتيجة لانعدام التشكيل والنقاط.
ومن أئمة القراءات في المدينة نافع بن عبد
الرحمن بن أبي نعيم المدني. وفي مكة عبد الله بن كثير المتوفى
سنة (120هـ \ 738 مـ ) . وفي الكوفة عاصم بن أبي النجود
المتوفى سنة (128هـ \ 746 مـ ). وفي دمشق عبد الله بن عامر
اليحصبي المتوفى سنة (118هـ \ 736 مـ ).
ومن هذه العلوم علم
التفسير ، الذي كان قد نشأ في عهد النبيّ صلى الله عليه
وسلم الذي كان أول شارح للقرآن، ثمّ تولى صحابته هذه المهمة
بعده. ومن أشهر المقربين من الصحابة عبد الله بن عبّاس. وعن
الصحابة أخذ التابعون وعن التابعين أخذ تابعوا التابعين،
فجمعوا أقوال من تقدّمهم وصنفوا التفاسير.
وكان الحديث النبوي
من العلوم الدينية المعول عليها. وهو كما معروف كل ما روي عن
النبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعل، أو إقرار على قولٍ
أو فعل..
وقد أخذ الناس الحديث عن الصحابة ، الذين
طالت صحبتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ ظهرت طبقة
التابعين الذين أخذوا الحديث عن الصحابة .
ولم يدون الحديث إلا في أواخر القرن الثاني
الهجري في خلافة عمر بن عبد العزيز ، وكانت الأحاديث تحفظ في
صدور الرجال أو تكتب في صحائف متفرقة ، فقد حرص عمر بن عبد
العزيز على تدوين الأحاديث الصحاح، فأمر بعض من كان يثق بهم من
علماء الحديث بجمعها، فكتبت في دفاتر وأرسلت منها نسخ إلى
أنحاء الدولة العربية..
ومن أشهر المحدثين في العصر الأموي سفيان بن
سعيد بن مروق الثوري بالبصرة ، وله من الكتب (الجامع الكبير).
وأبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة وله من الكتب
كتاب (السنن). وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وصنف كتاب
(السنن) . ومغيرة بن مقسم الضبي وصنف كتاب (الفرائض) وغيرهم
كثيرون....
2.علوم اللغة العربية:
اللغة العربية هي التي نزل بها القرآن
الكريم، وهي اللغة التي سجّل بها روائع الشعر العربي القديم..
وقد اضطر العرب بعد اختلاطهم بغير العرب إلى
وضع قواعد اللغة العربية لتحميها من اللحن والخطأ، فظهرت مدرسة
النحويين في البصرة ويرأسها أبو الأسود الدؤلي.
وعن أبي الأسود
الدؤلي أخذ جماعة من دارسي النحو.. كذلك استخدمت
الشريعة الإسلامية والنظم السياسية و الإدارية في الدولة
العربية ألفاظاً ومصطلحات لم يكن للعرب عهدٌ بها من قبل...
وازدادت هذه المصطلحات بما نقله المسلمون عن
اليونانية والفارسية في مختلف ميادين العلوم كالطب والرياضة
والفلسفة والكيمياء وأدى ذلك البحث في مفردات اللغة من حيث
معانيها وأصولها واشتقاقاتها..
فظهرت المعاجم
العربية وأول من وفق في جمع أوّل معجم في اللغة العربية
الخليل بن أحمد الأزدي المتوفى سنة 170 هـ وهو أول من استخرج
العروض وحصن به أشعار العرب، وصنف الخليل كتابه المشهور المسمى
(العين) كما صنّف كتباً أخرى منها (النغم) وكتاب (العروض)
وكتاب (الشواهد) وكتاب (النقط والشكل) وكتاب (فائت العين)
وكتاب (الإيقاع) .
3.علم
التاريخ:
قامت الدراسات التاريخية في البداية على
سيرة الرسول العربي الكريم صلى الله عليه وسلم وأخبار غزواته
ومن اشترك فيها من الصحابة وأخبار هجرة المسلمين الأوائل إلى
الحبشة ثم إلى يثرب وكانت مكّة والمدينة المركز الرئيس لنشاط
هذه الحركة التاريخية.
وكان المؤرخون يعتمدون على الروايات الشفهية
كما كان يفعل المحدثون، مما يدل على أن التاريخ العربي في
بدايته سلك الطريقة نفسها التي سلكها الحديث، فكان الخبر
التاريخي على هذا النحو يألف من رواة الخبر على التتالي وهو ما
يعرق بالسند أو الإسناد ثم نص الخبر ويسمى المتن. وأقدم الكتب
التاريخية التي تجمع بين الحديث والتاريخ
كتب المغازي والسيرة ، وكان سبب
الاهتمام فيها هو اهتمام المسلمين بأقوال الرسول صلى الله عليه
وسلم وأفعاله للاهتداء بها والاعتماد عليها.
وتألقت حركة التأليف في هذا المجال في
المدينة باعتبارها دار هجرة الرسول وصحابته.
وينقسم مؤرخو السيرة
والمغازي في مدرسة المدينة ومكة إلى ثلاث طبقات:
اشتهر من
الطبقة الأولى أبّان بن عثمان بن عفّان سنة ( 105هـ \
724 مـ ) ، وعروة بن الزبير المتوفى سنة (92هـ \ 711 مـ ) الذي
مكنه نسبه من أن يروي الكثير من الأخبار والأحاديث عن النبيّ r
فروى منها عن أبيه الزبير وعن أمه أسماء وعن خالته عائشة وعن
عروة أخذ هشام وابن شهاب الزّهري.
ومن رجال الطبقة
الثانية عبد الله بن أبي بكر حزم الأنصاري المتوفى سنة
(135هـ \ 753 مـ )، وعاصم بن عمرو بن قتادة الأنصاري المتوفى
سنة (120هـ \ 738 مـ ) الذي عهد إليه عمر بن عبد العزيز
بالجلوس في جامع دمشق ليحدث الناس عن مغازي رسول الله صلى الله
عليه وسلم وعن مناقب الصحابة، وعليه اعتمد ابن اسحق والواقدي
وكذلك ابن شهاب الزهري المتوفى سنة (124هـ \ 742 مـ ) أعظم
مؤرخي المغازي والسيرة الذي يرجع إليه الفضل في توضيح خطوط
السيرة وفي تأسيس المدرسة التاريخية في المدينة.
ومن رجال الطبقة
الثالثة محمد بن إسحق المتوفى سنة (152هـ \ 769 مـ )
أشهر تلامذة الزهري وإليه تنسب أقدم كتب السيرة التي وصلت
إلينا. ومحمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة (207هـ \ 823 مـ).
وفي هذا العصر أيضاً ظهرت مدرسة أخرى
للتاريخ في البصرة والكوفة تميزت بتناول الموضوعات الخاصة
بالمعارك والفتوح الإسلامية ودراسة الأنساب.
وزاد اهتمام الأمويين
بالأنساب فوضعوا لهذا الغرض
سجلات خاصة. ومن أشهر نسّابة العراق محمد بن السائب الكلبي
المتوفى سنة (146هـ \ 764 مـ) وكان من علماء الكوفة الذين
اهتموا بدراسة الأنساب .
أما بالنسبة للتاريخ العربي القديم الذي
يتناول أخبار العرب في الجاهلية الأولى فقد تمت كتابته في عصر
الدولة الأموية عندما ثبتت دعائم الدولة العربية.
وأهم من اشتغل في هذه الفترة عبيد بن شرية
الجرهمي وكذلك وهب بن منبه المتوفى سنة (110هـ \ 731 مـ) قيل
إنه من فارس وقيل أنه من أصلٍ يهودي وأسلم وينسبون إليه معظم
الإسرائيليات الواردة في المصادر العربية، ومن الكتب المنسوبة
إليه: ( كتاب الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم
).
4.الكيمياء والطب:
اهتم الأمويون بالكيمياء والطب وأول من اهتم
بهذا العلم وبإخراج كتب القدماء في الصنعة خالد بن يزيد بن
معاوية الذي أخذ العلم على يد راهب اسكندري يقال له (مريانوس
الراهب) .
وفي الطب نبغ عدد منهم كابن أثال طبيب
معاوية وكان خبيراً بالأدوية المفردة والمركبة . وماسرجويه
طبيب مروان بن الحكم الذي ترجم بعض الكتب الطبية من السريانية
إلى العربية مثل كتاب(أهرن بن أعين القس) وابن أيجر السكندري
طبيب عمر بن عبد العزيز.
إن ما عرف في العصر الأموي في مجال الطب
وممارسته كان كبيراً بالقياس إلى الفترة التي سبقته، بالإضافة
إلى أهميته الكبرى من حيث اعتباره الركيزة الأساسية الأولى
والقاعدة الثابتة العريضة للانطلاق نحو آفاق جديدة في ميدان
علم الطب وتبلورت المعرفة الطبية بشكل أوسع وأفضل كمّاً ونوعاً
في الفترات الزمنية اللاحقة..
وقبل أن نختم حديثنا عن هذا العصر العزيز
المتألق، لا نستطيع إلا أن نقف وقفة وجيزة مع أحد أعظم علماء
ومجددي هذا العصر وهو الحسن البصري،
ولا بدّ لهذا العظيم من وقفة عظيمة نثبتها في الموضوع القادم
إن شاء الله..
المصادر:
- ابن النديم (الفهرست) ........
- صبحي الصالح (مباحث في علوم القرآن)......
- عبد العزيز سالم (التاريخ والمؤرخون
العرب) ........
- أحمد أمين ( ضحى الإسلام).......
بقلم :
كنـــــــده
|