قصة أُمْنِيَّةُ زَهْرَةٍ
إنه بستانٌ جميلٌ! و في هذا الصباحِ المشرقِ يبدو
المنظرُ جميلاً
رائعاً
، جميلةٌ هيَ البساتينُ في الصباحِ ...
الأشجارُ الباسقةُ تمدُّ أغصانَها الخضراءَ في
الفضاءِ الرحبِ، و
تحتضنُ
أعشاشَ الطيورِ، و الطيورُ! ما أحلاها و هيَ تملأُ
الجوَّ
بزَقْزَقَتِها
الجميلةِ و تسبيحاتِها العذبةِ . و البركةُ
الصغيرةُ يبدو فيها
الماءُ
صافياً كالبللورِ.
ليسَ أجملَ مِنْ جولةٍ في هذا البستانِ في الصباحِ
!!!
و معَ أولِ خيوطِ شمسِ هذا اليومِ الجميلِ ، و
تحتَ الظلالِ الوارفةِ
لإحدى
الأشجارِ الكبيرةِ ، كانَتْ
زهرتانِ صغيرتانِ
جميلتانِ تتفتحانِ
للحياةِ
.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
ما أجملَ هذا الصباحَ! إنَّهُ يومٌ جميلٌ!!
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
نعم ، إنَّهُ يومٌ جميلٌ جداً.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
و ما أجملَ هذا البستانَ!!
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
أجلْ يا صديقتي ، و هو هادئٌ جداً.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
هل تسمعينَ زقزقةَ العصافيرِ؟ ما أعذبَ صوتَها و
أحلاه!
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
نعم نعم ، إنه صوتٌ عذبٌ . كلُّ ما في هذا
البستانِ
يبدو
جميلاً...
و بينما هما تتحدثانِ مرَّتْ فراشةٌ ملونةٌ ،
رَفْرَفَتْ بجناحَيْها الجميلينِ
فوقَ
الزهرةِ البيضاءِ
ثمَّ فوقَ الزهرةِ الصفراءِ .
سألتِ
الزهرةُ الصفراءُ
مستغربةً: مَنْ أنتِ؟
قالتِ الفراشةُ: أنا فراشةٌ.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
ثوبُكِ جميلٌ أيَّتُها الفراشةُ الرشيقةُ!
قالتِ الفراشةُ: و أنتِ أيضاً ثوبُكِ جميلٌ، و
رائحتُكِ عطِرةٌ طيبةٌ، فالأزهارُ
لديها
جمالٌ لا يقلُّ عن جمالِ الفراشاتِ.
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
إلى أينَ أنتِ ذاهبةٌ أيتها الفراشةُ؟؟
أجابَتِ الفراشةُ مبتسمةً: إني ذاهبةٌ في جولةٍ في
البستانِ ، فأنا أحبُّ أَنْ أُسَلمَ
على
الجميعِ هنا ، و الآنَ عليَّ الذهابُ حتى لا
أتأخرَ. إلى اللقاءِ.
قالتِ
الزهرتانِ مُوَدِّعَتَيْنِ:
إلى اللقاءِ أيتها الفراشةُ الجميلةُ.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
كَمْ أنا سعيدةٌ، لقد أصبحَتِ الفراشةُ الملونةُ
صديقَتَنَا.
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
و لكنَّها ذهيَتْ بعيداً و لمْ تبقَ مَعَنَا.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
طبعاً يا عزيزتي، ألم تسْمعي ما قالَتْ؟ لديها
الكثيرُ مِنَ
الأصْدقاءِ
و عليها أن تزورَهُمْ جميعاً.
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
أَرَأَيْتِ ثوبَها الجميلَ، فيهِ ألوانٌ رائعةٌ.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
نعم و ثيابُنا أيضاً جميلةٌ.
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:لكنَّ
ثيابَنا ليسَ فيها إلا لونٌ واحدٌ، و ثوبُها فيهِ
ألوانٌ كثيرةٌ...
و بينما كانَتِ الزهرتانِ تتحدثانِ عنِ
الثيابِ إِذْ بهما تسمعانِ صوتاً
يقولُ:
وززززز وززززز وززززز صباحُ الخيرِ أيتها
الأزهارُ الجميلةُ،
إنني
أبحثُ عنِ الرحيقِ، فَهَلْ أجدُ لديكم بعضاً
مِنْهُ؟!
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
و مَنْ أنتِ حتى نعطيَكِ الرحيقَ؟! ها؟
أجابَتِ النحلةُ: وززززز ألم تعْرفيني؟! أنا
النحلةُ. لقد أتيْتُ مِنْ مكانٍ بعيدٍ جداً
كَيْ
أحصلَ على الرحيقِ وززززز.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ
متسائلةً: و ماذا تصنعينَ بالرحيقِ أيتها النحلةُ؟
أجابتِ النحلةُ:وززززز آخذُهُ إلى الخليةِ ، و
هناكَ أضعُهُ في أقراصِ الشَّمْعِ و
أصنعُ
منه عسلاً حلواً مفيداً وززززز.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
تعالَيْ أيتها النحلةُ! لديَّ الكثيرُ من الرحيقِ
، خذيْ منه ما تشائينَ.
قالتِ النحلةُ: وززززز سَأَرْشُفُ القليلَ منه
فقطْ فهذا يكفيني. إلى اللقاءِ يا
صديقتي
و شكراً لكِ. وززززز.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
أهلاً بكِ أيتها النحلةُ النشيطةُ، هيا و اصنعي
عسلاً
طيباً...
قالتِ النحلةُ: وززززز.
ثمَّ طارتِ النحلةُ و هيَ تبحثُ عن أزهارٍ
أخرى ترشُفُ منها الرحيقَ.
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
كيفَ تعطينَ رحيقَكِ للنحلةِ يا صديقتي؟ و ماذا
ستفعلينَ بغيرِ رحيقٍ؟!
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
و مَنْ قالَ لكِ أنني بقيتُ بغيرِ رحيقٍ؟ لقد
رزقني اللهُ
تعالى
رحيقاً جديداً مكانَهُ، و أنا سعيدةٌ جداً لأنني
أعطيتها رحيقِي. ليْتَها تمرُّ
من
هنا كلَّ يومٍ!
و رفعَتِ
الزهرةُ البيضاءُ
رأسَها ، فوجدَتْ شجرةً خضراءَ ضخمةً تمتدُّ
أغصانُها
العاليةُ في الجوِّ، فقالت: إنني أحبُّ كلَّ شيءٍ
في هذا البستانِ!
اُنظريْ
إلى هذهِ الشجرةِ التي نحنُ في ظلِّها، كمْ هيَ
كبيرةٌ و جميلةٌ!
أجابَتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
صحيحٌ، و لكنَّها تحجُبُ عنا ضوءَ الشمسِ.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
بَلْ إنها تُخَفِّفُ عنا أشعةَ الشمسِ الحارقةَ،
أنا سعيدةٌ
لأنني
في ظلِّها الوارِفِ.
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
و لكنَّها تحجُبُنَا عن أَعْيُنِ النَّاسِ فلا
يستطيعُ أحدٌ أن
يرانا.
و ردَّتْ عليها
الزهرةُ البيضاءُ
قائلةً: صحيحٌ أنَّ الناسَ لا يروْنَنَا من هنا، و
لكنْ
ها هي الطيورُ و الفراشاتُ و النحلاتُ تحومُ من
حولِنا، و لقدْ أصبحَ
لدينا
العديدُ من الأصدقاءِ، ألا يكفي ذلك؟!
أجابتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
و لكنْ! اُنظُرِي إلى هناكَ، جانبَ بركةِ الماءِ،
تلكَ
الأزهارُ
يراها الجميعُ، أما نحنُ فلا ...
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
نعم، و لكنَّها سرعانَ ما تذبلُ تحتَ أشعةِ
الشمسِ، هذا
إِنْ
لم يقطِفْها أحدُ المارَّةِ ...
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
و ماذا في ذلكَ؟ إنَّها الطريقةُ الوحيدةُ
للانتقالِ من هذا
المكانِ!
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
و هلْ حقاً تريدينَ أن تغادِرِي البستانَ؟ و كيفَ
ستعيشينَ
بعيداً عن هذا المكانِ؟؟
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
الناسُ يعرفونَ قيمتي، و سيضعونني في مكانٍ لائقٍ
يراني
فيه الجميعُ و يستمتعونَ بجمالِ مَنْظَرِي و
برائحتِي الطيبةِ.
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
و لكنَّكِ ستكونينَ بعيدةَ عن أرضِكِ، و سرعانَ ما
تفقدينَ
جمالَكِ و رائحتَكِ الطيبةَ، و عنْدها سيرمُونَكِ
بعيداً ...
قالتِ
الزهرةُ الصفراءُ:
لا تُحاوِلِي أنْ تُقْنِعِيْنِي، أَتُرِيدينَ أنْ
أكونَ مثلَكِ،
تسْتفيدُ
مني المخلوقاتُ في هذا البستانِ دونَ أنْ أستفيدَ
أنا شيئاً؟!!
قالتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
أمَّا أنا فأُفَضِّلُ أنْ أَبْقَى هُنا،
أَتَفَيَّأُ ظلالَ الأشجارِ، و
أَسْتمعُ
إلى تغريدِ الطيورِ، و ألعبُ معَ الفراشاتِ، و
أساعدُ النحلاتِ، و أَنْعَمُ
بجمالِ
البستانِ فأنا جزءٌ منه.
و في هذهِ اللحظةِ سمعَتِ
الزهرتانِ
أصواتاً
كثيرةً و ضَحِكاً، ثم
تدحْرَجَتْ
كُرَةٌ صغيرةٌ بالقربِ منهُما. و جاءَ بعضُ
الأطفالِ يبحثونَ
عنِ
الكرةِ الضائعةِ. و بينما كانَ الفتيانُ مشغولينَ
بالبحثِ عنِ
الكرةِ،
اِنْشَغَلَتِ الفَتَيَاتُ بمشاهدةِ الأزهارِ
الجميلةِ. و فجأةً! مدَّتْ
إِحْدَى
الفتياتِ يَدَها نَحْوَ
الزَّهرةِ الصفراءِ
و قطفَتْها!!! و راحَتْ
تَشُمُّها،
ثم َّهَمَّتِ الفتاةُ بالخروجِ منَ البستانِ، و
هيَ تُلوِّحُ
بالزهرةِ
الصفراءِ
في يدِها.
عِنْدَئِذٍ صاحَتِ
الزهرةُ البيضاءُ:
مهلاً أيتها الفتاةُ!! إلى أينَ تأخذينَ
صديقتي؟!
و لكنَّ الفتاةَ لم تسمَعْها بلْ تابعَتْ
سَيْرَها...
و ما لَبِثَتِ الفتاةُ أنْ غرسَتِ
الزهرةَ الصفراءَ
في شعرِها و تزيَّنَتْ
بها،
و قد شعرَتِ
الزهرةُ الصفراءُ
بالزَّهْوِ، فالجميعُ ينظرُ إليها و
يُعْجَبُ
بجمالِها...
بعدَ قليلٍ بدأتِ
الزهرةُ الصفراءُ
الجميلةُ تشعرُ بالعطشِ، و بدأَتْ
تُنادِي
قائلةً: أريدُ أنْ أحصَلَ على قطرةٍ من الماءِ
العذبِ.
و لكنَّ الفتاةَ لم تسمَعْ ما قالَتْهُ الزهرةُ
العَطْشَى، و عِنْدَها بدأَتِ
الزهرةُ
الصفراءُ
تشْعُرُ بالنَّدَمِ، و تذكَّرَتْ ما قالَتْهُ لها
صديقتُها
الزهرةُ
البيضاءُ،
و قالَتْ في نَفْسِها: لَيْتَنِي اسْتَمَعْتُ إلى
نصيحةِ
الزهرةِ
البيضاءِ،
لقد كانَتْ على حقٍّ، و لكنْ فاتَ الأوانُ.
و راحَتْ تحلُمُ بالظِّلِّ الوَارِفِ تحتَ
الشَّجَرةِ العِمْلاقَةِ في البستانِ، و
تتذكَّرُ
حديثَ
الزهرةِ البيضاءِ
و أغمضَتْ عينَيْها و هي تتذكرُ
الأوقاتِ
الجميلةَ التي قَضَتْهَا في البستانِ.
و هُناكَ، كانتِ
الزهرةُ البيضاءُ
الجميلةُ تنعمُ بالظِّلِّ و تَنْشُرُ رائحتَها
الطَّيِّبَةَ
لِيَتَمَتَّعَ
بها كلُّ المخْلُوقاتِ التي تعيشُ في البستانِ و
كلُّ مَنْ يَمُرُّ فِيْهِ.