
قوة الإرادة
من
الأسس العامة التي ترجع إليها مجموعة من المفردات و الفروع
الخلقية المحمودة قوة الإرادة و
مقابلها ضعف الإرادة الذي ترجع إليه مجموعة من الرذائل الخلقية
في السلوك الإنساني .
فالإنسان
يمثل مملكة كاملة تشتمل على :
1-
السلطة تشريعية : و يمثلها الفكر
إذ يقوم بوظيفة التنبيه والإرشاد و إصدار الأحكام التوجيهية
و إعطاء قوانين الإرادة و السلوك,و يستمد الفكر ما يبته من
أحكام من عدة مصادر من: من الحكمة الفطرية التي فطر الله عليها
العقول و من الواقع التجريبي و من المعارف التي توصل إليها
الناس من الشرائع الربانية .
2-السلطة
التنفيذية : و هي الإرادة و هي تملك هذه السلطة متى
كانت قوية حازمة عاقلة,أما إذا كانت ضعيفة فإنها تتخاذل و
تستكين و تخضع لأهواء الجمهور أو يستبد بها ذو قوة من أفراده
أو يسيرها شخص آخر ذو إرادة قوية استطاع أن يفرض سلطانه عليه.
3-الجمهور
: و هو جمهور الأهواء و الشهوات و الغرائز النفسية و
لكل فرد من أفراد هذا الجمهور مطالب عاقلة صالحة و مطالب رعناء
فاسدة مفسدة و لا يصح في منطق العقل و الواقع تلبية مطالب كل
فرد من أفراد هذا الجمهور لأن ذلك يدفع إلى الفوضى و الفساد و
لذلك كان على الإرادة الحازمة العاقلة أن تلبي المطالب التي
تأذن السلطة التشريعية بتلبيتها و أن ترفض منها ما لم تأذن
السلطة التشريعية به لما فيه من ضرر و أذى أو مخالفة لأوامر
الله و نواهيه .
و على
مقدار استقامة الإنسان في سلوكه نستطيع قياس مقدار قوة إرادته
و على مقدار انحراف الإنسان في سلوكه و تخبطه مع أهوائه و
شهواته و غرائزه و نزواته نستطيع قياس مقدار ضعف إرادته .
4-هيئة
الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر : و هي الضمير و واعظ
الله في قلب المؤمن , فالضمير يبث للإنسان صور الخير و الفضيلة
فتذكره بها و تلمس مشاعره الداخلية لتحرضه على فعل الخير و ترك
الشر و ليس له قوة تنفيذية و إنما له قوة التأثير الوجداني و
عنده الانشراح والرضا أو وخزات التلويم و التثريب .
ضابط قوة الإرادة :
تكون
الإرادة القوية خلقا محمودا إذا
كانت مقرونة بالعلم و العقل و الحكمة في التصرف و إلا كانت
سلاحا خطيرا تدفعه إلى التهلكة و تحمل صاحبها و من يرتبط به من
المشاق مالا طاقة لهم به
و من
الناس من له إرادة قوية إلا أنهم
حمقى ليس لهم عقل حصيف فإذا اتجه أحدهم للضغط على نفسه عن طريق
العبادة مثلا أهلكها و أشقاها في غير ما شرع الله زاعما أن ذلك
من فضائل السلوك التي تقربه إلى الله مع أن الله غني عن تعذيبه
لنفسه و إذا قاد أحدهم عصابة أهلكهم مشقة فقد جاء في كلام
العرب:
"إن
المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى"
و
المنبت هو الذي يحث دابته حثاً شديداً فتهلك و تنقطع بها
الطريق.
و لكن
إن ضعف الإرادة مض خلقي قبيح ينجم عنه رذائل كثيرة لا سيما إذا
عنده شهواته و أهواؤه النفسية أو إذا استولى على مشاعره جانح
مجرم خبيث قوي الإرادة فيسخره في أعمال الشر مستحوذا عليه.
المجالات التي تحتاج قوة
الإرادة :
تحتاجها الإنسان ضد كل عوامل الانحراف و التثبيط من داخل نفسه
أو من الخارج فيحتاجها:
1-ضد
أهواء نفسه و شهواتها و وساوسها و دوافع نفسه كفتنة
المال والأولاد والجاه و النساء .
2-ضد
ميل نفسه إلى الدعة و الراحة الدافعتين الى الكسل و
الفوضى.
3-ضد
مخاوف نفسه المختلفة و ما ينزل به من مصائب يجب أن
يعالجها بالصبر و ما يفوته من خيرات يرجوها أو تطلعات إلى
الأماني ضاعت في الماضي.
4-ضد
وساوس شياطين الإنس والجن
و
قوة الإرادة ضد المخاوف الحاضرة
يكون مظهرها في الشجاعة و ضدها الجبن .
5-
و ضد المخاوف المستقبلية مظهرها
التفاؤل و ضده التشاؤم وضد المصائب و الآلام مظهرها الصبر و
ضده السخط.
قابلة الإرادة الضعيفة للتقوية
:
1-تقوية
عناصر الإيمان بالله و صفاته العظيمة و قضائه و قدره و تقوية
ما يقتضيه الإيمان بالله من الثقة بالله و صدق التوكل عليه و
حسن الظن به و هذه من الوسائل الجذرية لإكتساب قوة الإرادة .
2-التدريب
العملي على مقاومة أهواء النفس و شهواتها كلما ألحت عليه .
3-
ممارسة أنواع العبادات الإسلامية :
فالصلوات بالتزام وانتظام وسيلة لتقوية الإرادة .
و
الصوم بالتزام تام و مراقبة وسيلة لضبط أهواء النفس و بالتالي
تقوية الإرادة.
4-التزام
طاعة الله في كل ما أمر به و في كل ما نهى عنه من الوسائل
الناجعة في تقوية الإرادة.
5-الأناة
في البت ثم المضي في العمل دون تردد متى وضح سداد الاتجاه و
عندئذ صرف الخواطر المعوقة و المثبطة إلى أن يظهر يقين يكشف
جانب الحق فيكون الرجوع مظهرا من مظاهر قوة الإرادة و يكون
التمادي عناد و إتباع لهوى النفس و هو من مظاهر ضعف الإرادة و
الرعونة.
قوة الإرادة في مفاهيم النصوص
الإسلامية :
جاء في
القرآن ثلاث ألفاظ و مشتقاتها وهي :
الإرادة
والعقل والعزم
و
تواردت في القرآن على ثلاث مستويات :
أ- أدنى و هو الإرادة و مثال ذلك
قوله تعالى :
{مَّن
كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء
لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا
مَذْمُومًا مَّدْحُورًا}
(18)
سورة الإسراء
ب- متوسط و هو مستوى العقل و هو
الإرادة الحازمة الكافية لعقل الإنسان وحجزه من الاندفاع و
مثال ذلك:
(أفلا
تعقلون )
(أفلم تكونوا تعقلون )
و
المراد هنا الإرادة مع العقل والعاقل لغة هو الذي يحبس نفسه عن
هواها .
ج- أعلى مستوى رفيع للإرادة
الفعالة الجازمة التي تواجه العقبات و تنهض بالإنسان إلى معالي
الأمور و مراتب الصابرين المجاهدين و يجعله في تنفيذ ما يريد
من أهل العزم .
قال الله تعالى :
{ وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}
(186) سورة آل عمران
و
في السنة النبوية عرف الرسول الكريم صلى الله عليه و
سلم ذو الإرادة القوية
بالكيس فقال :
(
الكيس
من دان نفسه و عمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها و
تمنى على الله الأماني )
فاللهم
اجعلنا من ذوي الإرادة القوية و من أهل العقل والعزم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بقلم
: ابتسام - أسماء - نجلاء .
|